عبد الملك الجويني

381

نهاية المطلب في دراية المذهب

أن مطلق الدرهم في البيع والمعاوضات محمولة على الدراهم الجارية في العرف . وليس الأمر على هذا الإطلاق عندنا . ونحن نفصل القول فيه ونستعين بالله تعالى - فنقول : إذا كان في أيدي الناس نقود من أصنافٍ مختلفة النقوش والسكة ، وكان الغالب في المعاملات صنفٌ منها ، فإذا أطلقت الدراهم - والحالة هذه - انصرفت إلى ما يغلب ، وصار جريان العرف واطراده بالمعاملة في ذلك الصنف بمثابة التقييد لفظاً [ فيُفيد ] ( 1 ) اقترانُ العرف من الإعلام ما يفيد التقييدُ نطقاً ولفظاً . ولو كانت النقود كما وصفناها ، فقال الرجل : لفلان عليّ ألف ، فلا يتقيد المقرّ به بالنقد الغالب . وكذلك لو قال الرجل لامرأته - والنقود كما وصفناها : إن أعطيتني ألفَ درهم ، فأنت طالق ، لم يختص هذا بالنقد الجاري في البلد ، بل لو أتت بألف من أي نقدٍ كان ، وقع الطلاق بعد أن تكون وازنة . وهذا موضع استفراق ( 2 ) ؛ فإن النقد الغالب يتعين في المعاملات ، ولا يتعين في الأقارير ، ولفظ التعليق . وهذا عندنا - في المعنى والفقه - ليس بتفاوتٍ ، وطريق الكلام فيه [ أن المعاملات إخبارٌ عمّا نصف ] ( 3 ) ، والإقرار إخبارٌ عن ماضٍ ، ولا يمكن أن نحكم على العادة بالاطراد فيما تقدم ، فلا يتحقق كون العادة قرينة في المخبرَ عنه ، فبقي الإجمال في الصنف . وكذلك إذا قال لامرأته : إن أعطيتني ألف درهم . فليس تعليق الطلاق أمراً معتاداً ، فلا يصير اطراد الاعتياد قرينةً فيه ، وتحقيقه أن العادة لا معنى لها على الانفراد ، والمعنيّ بجريانها ، جريانُ المعاملات ، والتعليقُ ليس مما يتكرر جريانه في الدراهم ، [ فكان ] ( 4 ) مطلق الدراهم يجري على مقتضى الإطلاق فيها ، ومقتضى الإطلاق التعميم بأي صنف أتت به وقع الطلاق ، إذا كان نقرة وازنة . هذا في اختلاف النقود .

--> ( 1 ) في الأصل : فعيد . ( 2 ) موضع استفراق : أي طلب الفرق . ( 3 ) عبارة الأصل : أن المعاملا عمت نصف . ( 4 ) في الأصل : وكان .